القرطبي

228

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وكأين من نبي قتل ( 1 ) معه ربيون كثير ) قال الزهري : صاح الشيطان يوم أحد : قتل محمد ، فانهزم جماعة من المسلمين . قال ، كعب بن مالك : فكنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأيت عينيه من تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأومأ إلي أن أسكت ، فأنزل الله عز وجل : " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا " الآية . و " كأين " بمعنى كم . قال الخليل وسيبويه : هي أي دخلت . عليها كاف التشبيه وبنيت معها فصار في الكلام معنى وكم وصورت في المصحف نونا ، لأنها كلمة . نقلت عن أصلها فغير لفظها لتغير معناها ، ثم كثر استعمالها فتلعبت ( 2 ) بها العرب وتصرفت فيها بالقلب والحذف ، فحصل فيها لغات أربع قرئ بها . وقرأ ابن كثير " وكائن " مثل وكاعن ، على وزن فاعل ، وأصله كئ فقلبت الياء ألفا ، كما قلبت في ييأس ( 3 ) فقيل ياءس ، قال الشاعر : وكائن بالا طح من صديق * يراني لو أصبت هو المصابا وقال آخر : وكائن رددنا عنكم من مدجج * يجئ أمام الركب يردي ( 4 ) مقنعا وقال أخر : وكائن في المعاشر ( 5 ) من أناس * أخوهم فوقهم وهم كرام وقرأ ابن محيصن " وكئن " مهموزا مقصورا مثل وكعن ، وهو من كائن حذفت ألفه . وعنه أيضا " وكأين " مثل وكعين وهو مقلوب كئ المخفف . وقرأ الباقون " كأين " بالتشديد مثل كعين وهو الأصل ، قال الشاعر : كأين من أناس لم يزالوا * أخوهم فوقهم وهم كرام

--> ( 1 ) قراءة نافع . ( 2 ) في ا وح‍ : فلغت . ( 3 ) القلب في ذلك على لغة من يقلب حرف العلة الساكن المفتوح ما قبله ألفا ، وهي لغة بلحارث بن كعب وخثعم وزبيد وقبائل من اليمن ، كما ذكره الواحدي في وسيطه في تفسير قوله تعالى : " إن هذان لساحران " . ( 4 ) يردى : يمشى الرديان ( بالتحريك ) وهو ضرب من المشي فيه تبختر . والمقنع : الذي تقنع بالسلاح ، كالبيضة والمغفر . ( 5 ) في البحر : المعاسر .